أول لَبَنة في الذكاء الإصطناعي

قد عَرف الغرب وغير المسلمين إلي يومنا هذا قدر علماء الإسلام القُدامى وأَخذّ العلم منهم وتَدارُسهِ وحِفظ أسمائهم كابن سينا ، وابن نفيس ، الخوارزمي ، الطبري ، الفارابي… وسمي من شئت ، ولكن المؤسف هو أن تجد الشباب المسلمين نفسهم لا يفقهون شيء من تاريخهم وعُلمائهم ، بل يتباهوا بما قدمه الغرب مُغَيَّبِينَ على سير عُلمائهم ، وإنهم في أغلب المجالات العلمية والأدبية وحتى الإجتماعية منها كانوا أول من خاضوا تجارب فيها ومهَّدوا الطريق لمن بعدهم ليطوروا ويصلنا من تطور ما نحن فيه اليوم كانوا هم نفسهم علماء الإسلام قديماً.


عالِمُنا اليوم الذي سنُظهر سيرتُه للنُّور يعتبر ثِقلٌ كبير في عالم الميكانيكا والهندسة والإختراعات ، ولا تستغرب إذا قلنا أنه يعتبر أول لبنة في الذكاء الإصطناعي وأول من عَبَّدَ الطريق لما نراه اليوم من ثورة في هذا المجال  ،ونحن هنا لانقلل من شأن عُلماء الغرب وما توصلوا إليه اليوم فهم أخذوا العلم وطوروه واهتموا بيه ، عالمنا العربي المسلم عالم يُدَرَّس كتابه المشهور إلي يوم الناس هذا وقد تُرجم لعدة لغاتٍ منها الإنجليزية والفرنسية واليابانية . 

هو العالم الميكانيكي الذي عُرف آنذاك بكبير المهندسين، بديع الزمان أبو العز إسماعيل بن الرزاز الجزري، اشتهر بالجزري ؛ لأنه من أبناء الجزيرة التي تقع بين دجلة والفرات، عاش في ديار بكر (تركيا الأن) ودخل في خدمة ملوكها ابتداء من 570 هـ -1174م  ،واستمر لمدة خمسة وعشرين عام .

عالم عربي مسلم اهتم بالدين والعلم معاً ، فنفع الله به الخلق ، عُرف بذكائه وتألقه منذ الصغر ، فبرز في علم الميكانيكا والهندسة واختراع الآلات والساعات ورافعات الماء ، بالرغم من أن الجزري يعتبر من كبار المهندسين والمخترعين ،إلا أن المعلومات عن حياته  ليست كثيرة ، وكل مايعرف عنه ماكتبهُ عن نفسه في كتابه ” الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل ” .

يُعد هذا الكتاب من أهم مؤلفاته ، جمع فيه بين العلم والشرح النظري ، والتطبيق العملي التفصيلي المبسط بالرسم، وقد كلَّفه بكتابته وتصنيفه أحد سلاطين بني ارتق بديار بكر في عهد الخليفة العباسي ناصر دين الله  العباس أحمد ،وكان الكتاب نتيجة عمل دام خمسة وعشرين سنة من الدراسة ، والبحث ، والعمل في الساعات ، والفوارات المائية، والألات الرافعة للماء والأثقال (كما ذكرت الكاتبة حليمة الغراري في كتابها الرائع الذي سأذكره لاحقاً ، وهو يقتطف لنا من ملامح سير علماء المسلمين  وإنجازاتهم، والذي قطعاً أحث كُل شباب المسلمين المهتمين بتاريخ حضارتهم والرُّقي بأمتهم علمياً بقرأته ) يُعد كتاب الجزري ” من أروع ما كُتب في القرون الوسطى عن الآلات الميكانيكة والهيدروليكية ” هو متوفر إلي يومنا هذا ويستطيع أي طالب علم في عالم التكنولوجيا من قرأته والإستفادة منه ،وتُرجم لعدة لغات  ويوجد في المتاحف العالمية في اسطنبول ، وبوسطن ، وفرنسا ،ويوجد أيضا في مكتبة اكسفورد. 


لم يتوقف الجزري عند اختراعاته فقط  ، بل أخذ اختراعات زملائه العلماء المسلمين الذين من قبله وطورها. 

لا نُبالغ إن قلنا أن الجزري وكتابه هذا يُعد أول طوبة وأساس وضع في تاريخ التكنولوجيا الذكية . ” كان علم الجزري أحد أسس النهضة العلمية في الحضارة العربية  الإسلامية وانتقلت في ما بعد إلى أوروبا ” وقد اعترف العالم -لين وايت- أن التروس القطعية ظهرت لأول مرة في أوروبا في كتاب الجزري ولم تظهر من قبل ، أي بعد الجزري بقرنين .  

من أشهر اختراعات الجزري والتي كانت فخره دائماً ساعة الفيل  ، ومن الآلات: آلات رفع الماء ، والساعات المائية ذات نظام تنبيه ذاتي ، وصمامات التحويل ، وأنظمة تحكم ذاتي ، وكُل اختراعاته كانت تعتمد على الماء أي أخذ الطاقة من الماء ، وهذا بحد ذاته شيء عظيم ، كان الجزري يجمع بين العلم والعمل والتحريض عليه ، والكثير من اختراعاته التي لا يسعنا ذكرها ، و عبقريته التي لا يصفها كلم ، ويُسمى الجزري اليوم عند الكثير من رواد التكنولوجيا بالأب الروحي للروبوتات  ؛ لأنه أول من اخترع آلة على هيئة رجل مُنتصب ذات تنبيه ذاتي يساعد أحد السلاطين آنذاك على الوضوء .  

وختاماً نقول كان الجزري مثل غيره من عُلماء الإسلام  اهتموا بالدين والعلم ، فأحدث هذا الخليط المهم لكل مسلم  ، بين الإهتمام بالروح وتقويتها بالقرب من الله ، والاهتمام بالعقل وتغذيته بالعلم والتعلم والتصبر عليه ، فكل ما قرأت في سيرة وحياة علماء الإسلام  أكتشف ذات الرابط بينهم ، أنهم خريجوا المساجد واهتموا بدينهم ، ومنهم من كان بجانب العلم فقيه وحافظ لكتاب الله ومحدث ، وهذا رد على كل من يقول بأن الإسلام يحث على الجهل ويتعارض مع العلم والتطور ، ونقول لشباب المسلمين إن لكم في تاريخكم فخر والكثير الكثير في العلم ، والحقيقة المُغيبة عنكم هو أن ما نحن فيه اليوم هو بفضل الحضارة الإسلامية ، فأطلعوا ، وسارعوا في القراءة عنهم ، واظهروا سيرتهم لنور ، لاتُبالوا بالصعاب وتمسكوا بدينكم  وهويتكم مع العلم والتطور ، لعله يظهر لنا شبيه الجزري ونعيد مجد حضارتنا . 

وجزى الله الجزري عن الخلق أجمعين حتى يومنا هذا كل الخير. 


المراجع:

  • كتاب بناة الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية -حليمة الغراري