” إنَّ شموع العلم يجب أن تُضئ بعد وفاتي ” 

– مكتشف الدورة الدموية الصغرى.

هل فكرت يومًا كيف ينتقل الدم والأكسجين في أجسامنا؟ وما هي  الدورة الدموية الصغرى؟ وبما أسهم هذا الإكتشاف في حياتنا اليوم؟ هل يمكن أن تتخيل أن هذا الشيء العظيم اكتشفه عالِم مسلم قبل قرون من زمننا اليوم؟ 

الطب من أشرف العلوم الإنسانية، وكان للعلماء المسلمين إسهام كبير فيه، العالِم الذي نحن بصدد التحدث عنه عُرف بأنه “أعظم عالم وظائف أعضاء في القرون الوسطى” وأحد “أكبر أطباء المسلمين الذين حققوا اكتشافات عظيمة، ويفتخر بها الطب الإسلامي إلى يومنا هذا ” لديه نظريات و مخطوطات ومؤلفات يعتمد عليها العلماء والطب اليوم، لُقب بابن سيناء الثاني، كان أول لبنة ومهد الطريق لرواد علم وظائف الأعضاء، ومنهم العالِم الفسيولوجي ويليام هارفي الذي اعتمد على كتبه وشرحه. 

الفقيه الشافعي الطبيب العلامة علاء الدين علي بن أبي الحزم القَرشي – المعروف بابن النفيس. كغيره من علماء المسلمين جمع ابن النفيس بين علوم الدنيا والدين، وكان هذا هو سر إبداع علمائنا في عصرنا الذهبي، السعي في علوم الدنيا واكتشاف أسرارها وعلومها، والتمسك بدينهم وعلومه، وهذا ما يثبت أن الإسلام ما كان دين جمود ولا يحث على الجهل ولا يتعارض مع العلم، إنما هو منبع العلم، بل إن من يستمسك بعروة دينه يفتح الله له فتح مبينًا، فحين كانوا علماء المسلمين قبل قرون بين الدنيا والدين باعتدال، بإمكانيات بسيطة اكتشفوا وقدموا اختراعات بقيت بعدهم تنفع البشرية، فهل لك أن تتصور ابن النفيس وهو يكشف أدق تفاصيل أجسامنا من الداخل بدون أجهزة متطورة إنه الشغف والإخلاص.

بدأت رحلة ابن النفيس في العلم بحفظ القرآن، ودرَسَ النحو واللغة والفقه والأصول والحديث والمنطق والسيرة ، ثمَّ بعد أزمة صحية تعرض لها أدرك أهمية الطب لنفع البشرية والأرض، توجه إلى دراسة الطب بعمر الثانية والعشرين قائلاً: “قد عرض لنا حميات مختلفة، وكانت سننا في ذلك الزمان قريبة من اثنتين وعشرين سنة، ومن حين عوفينا من تلك المرضة حملنا سوء ظننا بأولئك الأطباء على الاشتغال بصناعة الطب لنفع الناس”.

وانطلق في طريقه في الطب مُعبدا الطريق لمن يأتي بعده، كان أعظم اكتشافه الدورة الدموية الصغرى في جسم الإنسان وهو يقول: “إن الدم يُنقّى في الرئتين من أجل سلامة استمرار الحياة وإكساب الجسم القدرة على العمل، حيث يخرج الدم من البُطين الأيمن إلى الرئتين حيث يمتزج بالهواء ثم إلى البُطين الأيسر” وجاء بعده بقرون الفسيولوجي الكبير ويليام هارفي ليكمل الطريق ويكتشف الدورة الدموية الكبرى وفقًا لاكتشاف ابن النفيس هذا.

اليوناني جالينوس يقول أن الحاجز الذي بين الجانب الأيمن والأيسر في القلب به ثقوب غير منظورة يتسرب فيها الدم من الجانب الواحد إلى الجانب الأخر، وما وظيفة الرئتين إلا أن ترفرف فوق القلب؛ فتبردا حرارته وحرارة الدم، ويتسرب شيء من الهواء فيها بواسطة المنافذ التي بينهما وبين القلب ويغذي ذلك القلب والدم، فنَّدَ ابن النفيس وعارض هذا القول معارضة شديدة، وعارض وصحح بعض أقوال ابن سينا، وكان بهذا أول مكتشف لوظيفة الرئتين.

جانب نبوغه في الطب كان أستاذاً للفقه الشافعي في المدرسة المسرورية بالقاهرة. 

فُقدت العديد من مؤلفاته عقب سقوط بغداد عام 1258م، وتبعثرت مخطوطات وموسوعات عدة له، وحُفظت بعضها، ومن أشهر مؤلفاته (الشامل في الصناعة الطبية) وتعتبر أضخم موسوعة طبية كتبها شخص واحد في تاريخ الإنسان. 

ومن مؤلفاته كتاب المختار في الأغذية، موجود في مكتبة برلين، ويُقال أنه يمكن اعتباره مثل المدرسة العلاجية اتَبع فيه ابن النفيس منهجًا عجيب للعلاج. 

يوجد لديه اليوم مؤلفات في مكاتب عالمية مثل اكسفورد وباريس وأيا صوفيا وإيران.

لم يقتصر في مؤلفاته في علم الطب فقط، لديه مؤلفات في اللغة والفقه والسيرة وعلم الحديث والفلك والحساب. 

عندما بلغ من العمر عتيَّا ومرض مرضًا شديد، حاول الأطباء أن يُعالجوه بالخمر، لكنه رفض قائلاً: “لا ألقى الله وفي جوفي شيء من الخمر” 

توفى فجر الجمعة 21 ذي القعدة 687 هـ، 17 ديسمبر 1288م، مخلداً علمه وحبه للعِلم بقوله: ” إن شموع العِلم يجب أن تُضئ بعد وفاتي”. 

كان هذا القليل من السطور، فسيرته مليئة بالإنجازات الملهمة يمكن للقارئ و الشغوف بالعلم الإطلاع عليها، لنا في سيرة ابن النفيس وعلمائنا المسلمين فخر، لقد كانوا الشموع التي أضاءت الطرق للعلماء، ولنا فيهم قدوة وعبرة في نهجهم حتى يأتي جيل يستطيع النهوض بأمتنا وإعادة عصرها الذهبي.


المراجع: 

  • قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية – للدكتور راغب السرجاني.
  • ابن النفيس واتجاهات الطبيب  العربي – للدكتور محمد بركات.