شريح القاضي، هو شريح بن الحارث الكندي، لُقب بأنه أقضى العرب، وهو أول قاضٍ للمسلمين في الكوفة لمدة تجاوزت ستين عامًا أو أكثر، كان من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام وأعلمهم بالحكم والقضاء، قد حفلت كتب: الفقه، العلم، الرقائق بالكثير من فتاويه وقصصه التي كانت تدل على حبه للعدل.

وهل القضاء إلا هذا؟

أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فرسًا من رجل على سوم، ركبه فعطب الفرس، فقال للرجل: خذ فرسك.

قال الرجل: لا آخذه يا أمير المؤمنين وقد سلمته لك غير معطوب.

طلب منه أمير المؤمنين رضي الله عنه أن يُحَكِّم بينهما رجلًا؛ فاحتكم الرجل بشريح بن الحارث، وافق أمير المؤمنين رضي الله عنه به، وتحاكما إليه. 

قال شريح: يا أمير المؤمنين خذ بما أبتعت أو رد كما أخذت.

فقال عمر مستبشرًا بعدل شريح: وهل القضاء إلا هذا؟ سر إلى الكوفة؛ وعينه قاضٍ فيها.

قاضيه قضى عليه

لما توجه على رضي الله عنه إِلي صِفّين افتقد درعا له، بعد أن انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع بين يداي يهودي يبيعها في السوق.

قال له على: يا يهودي، هذه الدرع درعي، لم أبع ولم أهب.

قال اليهودي: درعي وفي يدي.

فقال على: نسير إلى القاضي.

ذهبا وتقدما إلى شريح، جلس على إلى جانب شريح، وجلس اليهودى بين يديه.

قال علي: لولا أن خصمي ذمي لاستويت معه في المجلس، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((صغّروا بهم كما صغر الله بهم)).

قال شريح: قل يا أمير المؤمنين.

هم علي قائلًا: نعم، إن هذه الدرع التي في يد اليهودى درعي، لم أبع ولم أهب.

قال شريح: ما تقول يا يهودى؟

رد اليهودي: درعي وفي يدي.

قال شريح لعلي رضي‮ ‬الله عنه‮: ‬لا ريب -أي‮ ‬لا شك- عندي‮ ‬في‮ ‬أنك صادق فيما تقوله‮ ‬يا أمير المؤمنين ولكن لا بدَّ لك من شاهدين.

فقال أمير المؤمنين: نعم مولاي‮ ‬قنبر وولدي‮ ‬الحسن‮ ‬يشهدان لي، ‬فقال شريح: ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز.

بتعجب سأل علي: يا سبحان الله! رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته! أما سمعت رسول الله ﷺ‮ ‬يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة‮؟ قال شريح: بلى‮ ‬يا أمير المؤمنين‮، غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده.

أثر ورع وعدل شريح في اليهودي فقال: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن الدرع درعك، كنتَ راكبًا على جملك الأورق وأنت متوجه إلى صفّين، فوقعت منك ليلًا فأخذتُها، وخرج بعد إسلامه يُقاتل الشراة بالنهروان مع علي فقُتل.

ولكن الله هو أعزٌ عليّ منك

في يوم من الأيام أتى لشريح ابنه قال له: إن بيني وبين قوم خصومة فانظر فإن كان الحقّ لي قاضيتهم وإن كان لهم صالحتهم. أخذ يقص قصته على أبيه، قال شريح: انطلق فقاضِهم. مضى الابن إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له، ‬ولما مثلوا بين‮ ‬يدي‮ ‬شريح قضى لهم على ولده، ‮بعد أن رجع شريح وابنه إلى البيت قال الولد لأبيه مُعتابًا: فضحتني‮ ‬يا أبت، ‮والله لو لم أستشيرك من قبل لما لمتك. قال شريح‮: ‬يا بني والله لأنت أحب إليّ‮ ‬من ملء الأرض مثلهم، ولكن الله هو أعز على‮ّ ‬منك. ‬لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحًا‮ ‬يفوّت عليهم بعض حقهم؛ فقلت لك ما قلت.

شريح يسجن ابنه!

كفل ولدٌ لشريح رجلًا، فقبل كفالته، ما كان من الرجل إلا أن فر هاربًا من‮ ‬يد القضاء، حكم القاضي شريح بسجن ابنه مكان الرجل،  واستمر شريح ‬ينقل له -ابنه- طعامه بيده كل‮ ‬يوم إلى السجن ويقول له: تذكّر حديث النّبيّ ﷺ ((لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطع محمّد يد فاطمة)).

عدل شريح القاضي وورعه

  • شريح القاضي أعلم الناس بالقضاء، ذا عدل في حكمه عُرفَ بالفطنة، الذكاء، المعرفة، العقل، الرصانة والورع، دائمًا يحرص على أن يكون في مجلس قضائه مجموعةٌ من الفقهاء حتى يكون مجلسه محاطًا بالهيبة مع الوقار؛ كان إذا جلس للحكم يجلس على رأسه سيفان وإلى جانبهما شرطي بيده سوط.
  • اشتهر أنه إذا اكتمل مجلسه نادي مناد من جانبه “يا معشر القوم اعلموا أنَّ المظلوم ينتظر النصر، وأنَّ الظالم ينتظر العقوبة، فتقدَّموا رحمكم الله”.
  • وكان يسلم على الخصوم، ثم يقرأ قول الله تعالى: {يَا دَأوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى} سورة ص.
  • لكثرة حرصه وذكائه اعتاد أن يسأل عن الشهود في السوق وفي المدينة لتقييمهم، وإذا أحسّ أنّهم عُرفوا بالكذب قال لهم: “أنا سأقضي لك، وأظنّك كذّأب، لكن لا أستطيع أن أحكم بالظّنّ، والشّهود معك، لكن أعلم أنّ حكمي لك لا يحوّل الباطل حقًّا ولا الحقّ باطلًا، وستقف بين يدي الله يوم القيامة”.
  • قال الشعبي: شهدت شريحًا وقد أتته امرأةٌ تُخاصم رجلًا وتبكي بكاءً شديدًا، قُلت: “يا أبا أميَّة ما أظنُّها إلَّا مظلومة” فقال لي شريح: “يا شعبي، إنَّ أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون وهم له ظالمون”.

المراجع:
  • الذهبي: سير أعلام النبلاء.
  • ابن سعد: الطبقات الكبرى.
  • ابن أبي حاتم الرازي: الجرح والتعديل.
  • ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق.
  • ابن خلكان: وفيات الأعيان.
  • ابن عساكر: تاريخ دمشق.
  • مسعوداني مراد: تاريخ القضاء عند العرب من العصر الجاهلي حتى العصر العباسي الإسلامي.
  • وكيع: أخبار القضاة.