هل يمكن لشاب بعمر الستة عشر عامًا أن يكون وزيرًا؟ ليس مجرد وزير يشغل كرسي سلطة، بل وزير حكيم، عادل، قوي. 

غالبًا سيكون الجواب: لا أظن أو مستحيل! 

ولكن المستحيل أو النفي تحت أي حكم؟ أقصد بأي معايير؟ 

إن الحداثة السائلة اليوم، والتمركز حول الإنسان (الإنسانوية) وهدم الفطرة السليمة، وحيادتها عن المعقول والطبيعي، كوّن لدينا هذه المفاهيم الهشة، والنفسية الضعيفة عند الشباب، هذا ما سوِّق لنا، ليصبح لدينا حجج واهية لا علاقة لها بالطبيعي والعقل، فقّعات من المشاعر والأكاذيب المخدرة للإبداع، تحت حجة (سن المراهقة) تبددت أعمار شباب كان من الممكن أن يُبدعوا في ريعان شبابهم، فأصبح ربيع عمرهم سلسلة من الكسل، التمرد، العجز واللامبالاة.

فلنذهب بقرون من الزمن لمعرفة هذا الجواب، زمن كان فيه: ينشأ الطفل أو الشاب على ما عوداه والديه، زمن كان يُصنع فيه الرجال، ولد في عام 82 هـ، فتى اختير له من الأسماء عبد الملك صُقل وتم تربيته ليصل لعمر الستة عشر عامًا ويشغل منصب وزير الدولة ومساعد لأبيه في حكمه، أبيه (عمر بن عبد العزيز) الذي عُرفَ واشتُهر بعدله كان يستمد العدل والحكمة من ابنه الذي لم يكمل العشرون عاما، كان أبوه يستشيره عندما تضيق عليه مسألة فيقول أفتني في أمري، فيذكر التاريخ أن: “جمع عمر بن عبد العزيز الناس واستشارهم في رد مظالم الحجاج، فكان كلما استشار رجلاً قال له: يا أمير المؤمنين ذاك أمر في غير سلطانك ولا ولايتك, فكان كلما قال له رجل ذلك أقامه، حتى خلص بابنه عبد الملك، فقال له ابنه: يا أبي ما من رجل استطاع أن يرد مظالم الحجاج فلم يردها إلا شركه فيها، فقال له عمر: لولا أنك ابني لقلت: إنك أفقه الناس؛ الحمد لله الذي جعل لي وزيرًا من أهلي عبد الملك ابني.”  وهذا قليل من كثير. 


وعن إبراهيم بن أبي عبلة قال: “جلس عمر يومًا للناس، فلما انتصف النهار ضجر وعلَّ وملَّ، فقال للناس: شأنكم حتى أنصرف إليكم، فدخل يستريح ساعة، فجاءه عبد الملك فسأل عنه قالوا: دخل يستريح، فاستأذن عليه فأذن له، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين ما أدخلك؟ قال: أستريح ساعة، قال: أَوَأَمِنْتَ الموت أن يأتيك ورعيتك ينتظرونك وأنت محتجب عنهم؟ فقام من ساعته وخرج إلى الناس.”

توفي هذا الشاب بمرض وهو بعمر التسعة عشر، لك أن تتخيل قصر مرحلة تواجده في هذا الكون مع ما قدمه ومواقفه، غادر وهو أرض رطبة في بداية الزرع ولكنه حصد ما لا يحصده شاب بعمر الثلاثين .

كان شاب نفسه ممزوجةٌ بالعقل والقوة والحلم والضعف لله وحده، لم يذكر التاريخ الكثير من مواقفه وسيرته ورغم قلة ذكره إلا أنها عظيمة المعنى تصور لنا أن الشباب ماهي إلا مرحلة الإنجاز وليس الوهن، قال سيار بن الحكم خادم عمر: “قال ابن لعمر بن عبد العزيز يقال له عبد الملك, وكان يفضل على أبيه: يا أبي أقم الحق ولو ساعة من نهار”.

“وروى أبو بكر الآجري: أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك خطب عمر الناس ونزل، ثم ذهب يتبوأ مقيلاً، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين, من لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: اُدن مني أي بني، فدنا منه، فالتزمه وقبله بين عينيه, وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني، وخرج فلم يُقِل، وأمر مناديًا: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها.” 

“وفي يوم أمر عمر غلامه بأمر، فغضب عمر، فقال عبد الملك: يا أبتاه.. ما هذا الغضب والاختلاط؟ فقال عمر: إنك لتتحلّم يا عبد الملك؟ فقال عبد الملك: لا والله ما هو التحلّم، ولكن الحلم.”

كان يذكر والده قائلًا: “ماذا أنت قائل لربك غدًا إن سألك وقد تركت حقًّا لم تحييه، وباطلاً لم تمته؟”

لسنا هنا بصدد ذكر سيرته التفصيلية التي هي قليلة في كُتب التاريخ (قليلة في الذكر عظيمة في العبر) ولكن لأخذ العبرة من مواقفه مقارنة بعمره مثلما قال ابن رجب الحنبلي في مناقب عبد الملك: “فعسى الله أن يجعل في سماع أخباره لأحد من جنسه أسوة، ولعل أحدًا كريمًا من أبناء الدنيا تأخذه بذلك حمية على نفسه ونخوة”.

 لإعادة صياغة المفاهيم التي شوهت بأن فترة الصغر ماهي إلا فترة للمرح، بل هي مرح وعلم وعمل، وهي أكثر أرض خصبة من مراحل الحياة فالطفل كالوعاء يمتليء بما يأخذه من والديه، لأن عقله وقلبه لم يزدحم بمشتات الدنيا ولم يمتلئ بالمواقف “لأن القدرات الدماغية ستزداد في تعقيداتها وتتطور قدراتها”.

“العلم يبني بيوتاً لا عماد لها والجهل يهدم بيوت العز والكرم إنها حقيقة صحيحة وواقع عملي لأن الذاكرة حين يكون الإنسان صغيرا يجمع ويفهم بشكل أفضل” وهنا يُصنع الإنسان من مرحلة الطفولة فالشباب، بالتالي نحن نتيجة ماتم تربيتنا عليه، لايعني هنا أنه إذا تم تربيتنا بشكل خاطيء لا نغير من أنفسنا فمادام هناك نفسٌ نتنفسه هو فرصة للتغيير وإن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، بل لنفقه ونصحح أفكارنا ومفاهيمنا عن التربية وأهميتها في فترة الطفولة، أيضًا الشباب ولا نقول ذاك زمن وهذا زمن، بل العقل هو العقل، والقدرة العقلية التي أنعم الله بها علينا هي نفسها لا تتغير، قطعًا نستطيع بناء وصناعة أجيال مثل عبد الملك، نحن فقط بحاجة لإعادة قراءة التاريخ، ونسف المفاهيم الخاطئة ونقيم بدل منها الصحيحة السليمة، بحاجة تصحيح مفهوم التربية وما الغاية منها، وصناعة إنسان.

هنا يأتي دور المربي (الوالدين) كيف يصنعوا هذا الشخص أو يصقلوا هذا العقل ويوجهون هذه الروح، وكما يقول الشاعر ابن المعري:  

وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا     عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ
وَما دانَ الفَتى بِحِجىً وَلَكِن    يُعَلِّمُهُ التَدَيُّنَ أَقرَبوهُ

المراجع: