إن للكلمة قوة في تأثيرها لا يضاهِيها شيء آخر، والأمثلة والأدلة على ذلك كثيرة ومنها قصة الشيخ الفارسي الذي أعاد إحياء الدين وانتشاره في أرجاء التتار وهم أشد عداءً للإسلام بكلمات بسيطة ولكن كانت لها تأثير عظيم، فإن تصدق في النية يفتح الله على يدك أقفال القلوب.

في سطور مختصرة ننقل لكم هذه القصة كما جاءت في كتاب قصص من التاريخ الإسلامي للأطفال للمفكر الإسلامي والداعية أبو الحسن الندوي

لعلّكم سمعتم – أو ستقرؤون في كتب التاريخ قريبًا – خبر غارة التتار على العالم الإسلامي، في القرن السابع الهجري، فكانت فتنةً عظيمة، ومحنةً كبيرة، هزَّت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه هزّاً عنيفًا، فكل بلاد أو دولة توجهوا إليها أبديت وخرِّبت، ولم يكن في العالم الإسلامي – على اتّساعه، وكثرة دوله وحكوماته – من يستطع أن يواجه هذا البلاء العظيم، وغلب على الناس اليأس والتشاؤم، حتى سار المثل “إذا قيل لك: إن التتار انهزموا فلا تصدق” وكفى لتمثل هذا الزحف الوحشي المبيد لكل ما عرض في سبيله ما قاله مؤرخ أوربي عن قائد هذا الزحف “جنكيز خان“.

إنه محا في طريقه كل مدينة من الوجود، غير مجرى الأنهار، ملأ الصحارى باللاجئين المذعورين المشرفين على الموت، إنه لم يبق بعد مروره بالمناطق التي كانت آهلة بالسكان في يومٍ ما من الأيام، أي حيٍّ من الأحياء، إلا الكلاب، والذئاب، والحداءة، والسنور.

الأستاذ هيرلد ليمب في كتابه “جنكيز خان” بالإنجليزية ص 12.

وكان كل شيء يقبله القياس ويستطيع أن يتكهن به الناس إلا أنهم سيُسلمون ويدينون بدين المفتوحين الذين لم يكن شعب ولا رجال أذلَّ في عيونهم من المسلمين.

ولكن تحقق ما كان يعتبر مستحيلاً – وكان ذلك بتوفيق الله تعالى بفضل الدعاة المخلصين، والعلماء الربانيين – وإليكم حكاية من حكايات هؤلاء الربانيين الكثيرة.

كان تغلق تيمور خان ابن ملك كاشغر، وكان ولي العهد، لم يتوج بعد – ولم يبايع بالولاية، قد كان له حمى يقتنص فيه لا يدخله أحد غيره، وغير من يرافقه من الخدم والحشم الذين يساعدونه في القنص، وكان الملوك في ذلك الزمان غيارى على ما يتخذونه من مجالات قنصٍ أو صيدٍ، ويحمونها من أطرافها، غيرتهم على شرفهم وكرامتهم، فكانت هذه الأرض ممنوعة لغير ولي العهد، وفرقة الصيادين من جليسيه، لا يطمع فيها طامعٌ، ولا يدخلها داخل.

ولكن الله قدّر ما غيّر مستقبل الأسرة الحاكمة في تركستان، ومن كان يتبعها من هذه الجماعة المدوخة للعالم، ونقلهم من الحمى المخصص للصيد، والغيرة عليه إلى حمى السعادة الأبدية، وحراسة الإسلام والمسلمين، وإنشاء الحكومات الكبيرة الواسعة التي تدين بالإسلام، وترفع رايته.

وإليكم حكاية من حكايات هؤلاء الربانيين الكثيرة التي يرجع إليهم الفضل في إقبال هؤلاء التتر الوحوش على الإسلام.

خرج الشيخُ جمال الدين من مدينة بخارى وكان معه جماعة من التجار. ولم يتفطنوا لهذه الأرض المحمية لصيد ولي العهد وحاشيته، فدخلوا فيها على غفلة واطلّع على ذلك الحرس الملكي، وأمر الأمير بأن توثق أيديهم وأرجلهم وأن يمتثلوا بين يديه، وكان التتار ينظرون إلى الفُرس (الإيرانيين) بعين الازدراء والاحتقار، وجرى بين ولي العهد والشيخ جمال الدين الحوار الآتي:

قال ولي العهد في غضب: كيف جرُؤتُم على دخول هذه الأرض؟

قال الشيخ: نحن غرباء، دخلنا فيها على غفلة وجهل لا نعلم أننا نجوس أرضًا محرّمة.

وسأل ولي العهد: من أي جنسٍ أنتم؟

قالوا: نحن من الفُرس.

قال الأمير: إن الكلب أغلى من أي فارسيٍّ.

وهناك ألهم الله الشيخ الجواب الذي كان قُدِّر له أن يفتح الفاتحين، يُخضع الغالبين، ويشرح صدر الأمير للإيمان بهذا الدين.

قال الشيخ: نعم! قد كنَّا أبخس من الكلب، وأبخس ثمنًا منه، لو أننا لم نَدِن بدين الحق.

احتار الأمير بذلك الجواب، وأمر بأن يقدم ذلك الفارسي الجسور عند عودته من الصيد.

ولما خلا به سأله ماذي يعني بهذه الكلمات ما ذلك الدين؟ فعرض عليه الشيخ قواعد الإسلام في غيرة وحماس. انفطر لها قلب الأمير حتى كاد يذوب كما يذوب الشمع، وصوّر لهم الكفر بصورة مروّعة اقتنع معها بضلال معتقداته وتصوراته.

ولكنه قال: إذا اعتنقت الإسلام الآن لا أستطيع أن أهدي رعائي إلى الصراط المستقيم، فتمهلني قليلًا فإذا آلت إليّ مملكة أجدادي فعد إليّ.

وعاد الشيخ جمال الدين إلى بلده حيث مرض مرضًا شديدًا، فلما أشرف على الوفاة قال لابنه رشيد الدين: سيصبح تغلق تيمور يومًا ما ملكًا عظيمًا فلا تنسَ أن تذهب إليه وتُقرئهُ مني السلام، ولا تخش أن تُذكرهُ بوعده الذي قطعه لي.

ولم يلبث رشيد الدين إلا سنين قليلة حتى ذهب إلى معسكر الخان، وكان قد توّج، وتربّع على عرش إمبراطورية آبائه.

ولكن كيف يجد هذا الفارسيُّ الغريب السبيل إليه ويظفر بالمثول بين يديه؟

لجأ رشيد الدين إلى حيلة طريفة شريفة فصار يؤذّن بجوار البلاط الملكي، وذات يوم في الصباح الباكر قرع الأذان سمع الأمير وأقلق نومه وأثار غضبه، فسأل من هذا الجريء الجهوري الصوت الذي لا يحفل براحة الملك ولا يحسب لها حسابًا؟

أُخْبرَ بأنه رجلٌ فارسي غريب ينادي بأعلى صوته وفقًا لدينه فيؤذن ويصلّي، فأمر بإحضاره ومثوله بين يديه.

وهناك بلّغ رشيد الدين رسالة أبيه وتذكّر “تغلق تيمور” وعده. وقال: حقًا مازلت أذكر ذلك منذ اعتليت عرش آبائي، ولكن ما بالُ الشيخ الصالح لماذا لم يحضر هو بنفسه؟

وأخبره الشيخ رشيد الدين بأنه فارق الحياة وانتقل إلى الدار الآخرة، سمع ذلك الملك في مزيج من الحزن والسرور، وأقرّ بالشهادتين وأسلم، واستقبل الملك الأمراء واحدًا بعد واحد، يعرض عليهم الإسلام فأسلموا وأشرقت شمس الإسلام، ومحت بنورها الظلام، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

وهكذا انتشر الإسلام في فروع التتار الأخرى، والأسر المالكة الحاكمة، بفضل دعاة الإسلام المخلصين والعلماء الربانيين، والوعِّاظ المؤثرين، وكان كما يقول المؤرخ الإنجليزي الكبير:

نهض الإسلام من تحت أنقاض عظمته الأولى وأطلال مجده التالد، واستطاع بواسطة الدعاة المسلمين أن يجذب أولئك الفاتحين الذين قد أنفدوا جهدهم في اضطهاد المسلمين، ويحملهم على اعتناقه.

البروفسور آرنلد في كتاب “الدعوة إلى الإسلام” ص 227.

ولا يزال جواب الشيخ جمال الدين الملهم ردًا على سؤال “تغلق تيمور” له الفضل الكبير في انتشار الإسلام في فرع كبير من فروع التتار الوحشيين، ورُبَّ كلمة تنبع من إخلاص وإيمان يقترن بها توفيق الله تعالى وأمره أكبر تأثيرًا وأكثر تسخيرًا من جيشٍ كثيف، وسلاح كثير، وقتال طويل.